سيد قطب

1225

في ظلال القرآن

« قُلْ : لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ، أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ - فَإِنَّهُ رِجْسٌ - أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . فَمَنِ اضْطُرَّ - غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ - فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ . وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما - إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ - ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ . فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ : رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ » . . قال أبو جعفر بن جرير الطبري : « يقول - جل ثناؤه - لنبيه محمد - صلى اللّه عليه وسلم - قل ، يا محمد ، لهؤلاء الذين جعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله . والقائلين : هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - والمحرمين من أنعام أخر ظهورها ، والتاركين ذكر اسم اللّه على أخر منها . والمحرمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم ، ومحليه لذكورهم . المحرمين ما رزقهم اللّه افتراء على اللّه ؛ وإضافة ما يحرمون من ذلك إلى أن اللّه هو الذي حرمه عليهم : أجاءكم من اللّه رسول بتحريمه ذلك عليكم ، فأنبئونا به ، أم وصاكم اللّه بتحريمه مشاهدة منكم له ، فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه ؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك ، ولا يمكنكم دعواه ، لأنكم إذا ادعيتموه علم الناس كذبكم . فإني لا أجد فيما أوحي إلي من كتابه وآي تنزيله شيئا محرما على آكل يأكله ، مما تذكرون أنه حرمه من هذه الانعام التي تصفون تحريم ما حرم عليكم منها - بزعمكم - إلا أن يكون « ميتة » ، قد ماتت بغير تذكية ، أو « دما مسفوحا » ، وهو المنصبّ ، أو إلا أن يكون لحم خنزير « فإنه رجس » . . « أو فسقا » يقول : أو إلا أن يكون فسقا ، يعني بذلك : أو إلا أن يكون مذبوحا ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر اسم وثنه . فإن ذلك الذبح فسق ، نهى اللّه عنه وحرمه ، ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك لأنه ميتة . « وهذا إعلام من اللّه - جل ثناؤه - للمشركين الذين جادلوا نبي اللّه وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به ، أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه اللّه ، وأن الذي زعموا أن اللّه حرمه حلال أحله اللّه ؛ وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى اللّه » . . وقال في تأويل قوله تعالى : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » : . . . « أن معناه : فمن اضطر إلى أكل ما حرم اللّه من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير ، أو ما أهل لغير اللّه به ، غير باغ في أكله إياه تلذذا ، لا لضرورة حالة من الجوع ؛ ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده اللّه وأباحه له من أكله ، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك . . لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه . . فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك . « فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ » فيما فعل من ذلك ، فساتر عليه ، بتركه عقوبته عليه . ولو شاء عاقبه عليه . « رحيم » بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه . ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه » . أما حد الاضطرار الذي يباح فيه الأكل من هذه المحرمات ؛ والمقدار المباح منها فحولهما خلافات فقهية . . فرأي أنه يباح ما يحفظ الحياة فقط عند خوف الهلاك لو امتنع . . ورأي أنه يباح ما يحقق الكفاية والشبع . . ورأي أنه يباح فوق ذلك ما يدخر لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام . . ولا ندخل في تفصيلات الفروع . . فهذا القدر منها يكفي في هذا الموضع .